لست أدريلم تكن بيني وبينه أية علاقة حميمية نظرا للفرق الشاسع بيننا في علاقة كل منا بكتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والتسليم. بل كانت علاقتنا عابرة، وإن شئت علاقة مصلحة؛ علاقة مريض بممرض ووالد تلميذة بأحد معلمي المدرسة.
وجدته يوما ذاهبا إلى غفساي على متن دراجته النارية فحملني معه. وفي طريقنا طرح علي مشكلته مع الصحن المقعر الذي اقتناه ولم يتمكن من استخدامه.
كنت أعرف بعض مبادئ استخدام هذا الجهاز، فعرضت عليه المحاولة، فطلب مني شاكرا أن ألتقي به عشية ذلك اليوم في منزله.
وبعد صلاة العصر، طرقت باب منزله وأنا محمل بالأدوات اللازمة، فأخبرتني ابنته أنه لم يعد بعد من غفساي، فانتظرته طويلا، لكن بدون جدوى.
وفي اليوم الموالي، بعد خروجي من المدرسة مباشرة، وبعدما طلبت من عشيرَيّ أن يصنعا طعام الإفطار، لأن الشهر كان رمضانا، عدت إلى "السي" أحمد حيث وجدته في منزله، فطلب مني الدخول.
كانت أول وآخر مرة أدخل فيها منزله؛ دخلت الغرفة الموجود فيها التلفاز وأجهزة الصحن المقعر، فوجدت أحد أصهاره يحاول استخدامه. جلست على الفراش، وسألت بعض الأسئلة، ثم تناولت آلة التحكم عن بعد لأحاول بدوري.
وبينا أنا أحاول وأحاول، كان ابنه الأصغر يلعب بيننا ويحدث ضجيجا. حاول أحمد إرغامه على اللعب الهادئ، إلا أنه أبى إلا العناد، فطرده أبوه من البيت.
لم تمر سوى دقائق معدودات حتى سمعنا نشيج امرأة. لم أعرف من هي، لكن الصهر علم أنها أخته فأسرع في اتجاه مكان الصراخ، وتبعه أحمد. ثم دخلت علي زوجة هذا الأخير الغرفة باكية صالقة(التي ترفع صوتها بالنياحة) مُولولة(الداعية بالويل) لاطمة خدها شاقة (التي تـشق ثيابها عند المصيبة) جيبها (من القميص هو طوقه).
لم أفهم شيئا، ولم أعرف ما أفعله، فبقيت جالسا في مكاني وآلة التحكم عن بعد بيدي. وما هي إلا هنيهة حتى جاءني أحمد فاستفسرته عن الأمر فأخبرني أن ابنه مات. فسألته كيف حصل ذلك ؟ فأخبرني أنه لما طرده من البيت خرج يلعب في الشارع فسقط في بركة ماء واختنق ومات.
وضعت الآلة على جهاز التلفاز بعد أن أوقفت تشغيل هذه الأخيرة، وعزيته في ابنه ثم طأطأت رأسي وقصدت الباب للخروج.
لست أدري كيف اجتمع الناس حول الغريق وخاله الذي يحاول إخراج الماء من بطنه، وينفخ في فيه عسى ألاّ يكون قد مات فعلا، لكن بدون جدوى.
تأملت المنظر جيدا، وتأسفت له كثيرا؛ تأسفت للفرحة بالصحن المقعر التي تحولت إلى قرحة على الابن.
تبت إلى بيتي (رجعت إليه) وعلامات الحزن على وجهي، وحكيت لعشيرَيّ ما حدث فتأسفا.
لم ينته الأمر عند هذا الحد بالنسبة لي، بل استمر كلما التقيت بأحمد، ذلك أنه صار كلما رآني إلاّ وأدبر، أو على الأقل حين لا يجد الفرصة لذلك، كلمني بطريقة توحي على الاشمئزاز والتدمر.
لماذا ؟
لست أدري.